الرهان على أصل واحد… مكاسب ضخمة أم مخاطرة جسيمة؟

الرهان على أصل واحد… مكاسب ضخمة أم مخاطرة جسيمة؟ -- Jun 03 , 2026 23

في سوق اعتاد التقلبات الحادة، جاءت خطوة شركة "ستراتيجي" لتضيف جرعة جديدة من القلق إلى مسار البيتكوين المتراجع. فالشركة التي تُعد أكبر مالك مؤسسي للعملة المشفرة في العالم فاجأت الأسواق ببيع ما قيمته 2.5 مليون دولار من البيتكوين، في خطوة بدت محدودة من حيث الحجم لكنها أثارت تساؤلات واسعة بالنظر إلى هوية البائع ومكانته في السوق.

وتحتفظ "ستراتيجي" وحدها بنحو 843,706 وحدات من البيتكوين، بما يمثل قرابة 4 بالمئة من إجمالي المعروض العالمي للعملة المشفرة، ما يجعلها اللاعب الأكثر تأثيراً بين الشركات المالكة للبيتكوين، متقدمة بفارق كبير على شركات مثل Twenty One Capital التي تمتلك 43,514 بيتكوين، وMetaplanet بحيازة تبلغ 40,177 بيتكوين، وMARA Holdings التي تمتلك 35,303 بيتكوين، إضافة إلى Bitcoin Standard Treasury Company التي تحتفظ بنحو 30,021 بيتكوين.

وتكتسب عملية البيع أهمية استثنائية لأنها صدرت عن الشركة التي بنت استراتيجيتها الاستثمارية على مبدأ الاحتفاظ بالبيتكوين على المدى الطويل، فيما دأب رئيسها التنفيذي مايكل سايلور على وصف العملة المشفرة بأنها "الأصل الأفضل في العالم".

كما أن "ستراتيجي" لعبت خلال السنوات الأخيرة دوراً محورياً في دعم الطلب على البيتكوين، إذ تجاوزت مشترياتها المستمرة في بعض الفترات حجم الإنتاج الصادر عن شبكات تعدين العملة المشفرة عالمياً.

وجاءت هذه التطورات في وقت تتعرض فيه البيتكوين لضغوط متزايدة، بعدما فقدت نحو 20 بالمئة من قيمتها منذ بداية العام، وتراجعت بنحو 40 بالمئة مقارنة بأعلى مستوياتها المسجلة خلال العام الماضي، ما أعاد إلى الواجهة النقاش بشأن ما إذا كانت السوق تمر بمرحلة تصحيح طبيعية ضمن دورة سعرية معتادة، أم أنها تتجه نحو موجة هبوط أعمق.

وفي هذا السياق، يقدم استراتيجي الأسواق المالية في شركة "First Financial Markets" جاد حريري خلال خلال حديثه الى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية قراءة لتداعيات عملية البيع، وحدود تأثيرها النفسي على المستثمرين، واحتمالات استمرار التراجعات، إضافة إلى تقييمه لمستقبل البيتكوين في ظل استمرار شهية المخاطرة المرتفعة في أسواق الأسهم الأميركية وتصاعد الاهتمام بالأصول الرقمية.

البيتكوين بين التصحيح واستمرار الاتجاه الهابط
يرى حريري أن تراجع البيتكوين بدأ فعلياً قبل الإعلان عن قيام مايكل سايلور ببيع جزء من حيازاته، موضحاً أن العملة الرقمية وصلت إلى منطقة مقاومة مهمة قرب مستويات 95 ألفاً إلى 100 ألف دولار، قبل أن تبدأ موجة التراجع.

وبحسب تحليله، فإن عملية البيع لم تكن مؤثرة من ناحية الكمية المباعة مقارنة بإجمالي الحيازات التي تبلغ نحو 840 ألف وحدة، إلا أن العامل النفسي كان العنصر الأكثر تأثيراً في الأسواق. فسايلور يُعد أحد أكبر مالكي البيتكوين، كما أنه ارتبط لفترة طويلة بمقولته الشهيرة الداعية إلى عدم بيع العملة الرقمية، ما جعل خطوة البيع تمنح الأسواق إشارة سلبية دفعت بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم الاستثمارية.

ويؤكد حريري أن الاتجاه العام ما زال هابطاً، مشيراً إلى أن البيتكوين تراجعت بنحو 40 إلى 45 بالمئة من مستوياتها التي بلغت 123 ألف دولار، معتبراً أن عملية البيع ساهمت في تسريع مسار كان قائماً بالفعل وليس في خلق اتجاه جديد.

هل تقود الدورات التاريخية إلى مزيد من التراجع؟
في تقييمه للمرحلة المقبلة، لا يستبعد حريري حدوث تراجعات إضافية في سعر البيتكوين، مستنداً إلى السوابق التاريخية التي شهدتها العملة خلال دوراتها السعرية السابقة.

ويشير إلى أن البيتكوين هبطت قبل نحو خمس سنوات من مستوى 67 ألف دولار إلى ما يقارب 17 ألف دولار، أي ما يعادل تراجعاً يقارب 80 بالمئة، قبل أن تعود إلى الارتفاع مجدداً.

ومن هذا المنطلق، يرى أن التراجعات الحالية لا تزال ضمن نطاق أقل من الانخفاضات التاريخية المسجلة سابقاً، ما يجعل احتمالات الهبوط إلى مستويات 60 ألف دولار أو 55 ألف دولار وحتى 45 ألف دولار أمراً وارداً وفق قراءته للسوق.

ومع ذلك، يلفت إلى أن السؤال الأهم لا يتعلق بحجم التراجع المحتمل بقدر ما يتعلق بكيفية تعامل المستثمر معه، معتبراً أن أصحاب النفس الاستثماري الأطول هم الأكثر قدرة على الاستفادة من دورات السوق وتقلباتها.

التشريعات لا التصريحات
وفي معرض تعليقه على تأثير التصريحات الداعمة للعملات المشفرة، أشار حريري إلى أن ما يهم الأسواق في نهاية المطاف هو التشريعات والقوانين التي تصدر على أرض الواقع، معتبراً أن كثيراً من التصريحات السابقة كانت أقرب إلى طفرات إعلامية. وفي الوقت نفسه، لفت إلى أن عدداً متزايداً من البنوك والشركات بات يتبنى الصناديق الاستثمارية المرتبطة بهذا القطاع، بالتوازي مع إنشاء المزيد من هذه الصناديق، الأمر الذي شجع المزيد من المستثمرين والمستثمرين الكبار على الدخول إلى السوق.

وأضاف أن المستقبل يتجه نحو كل ما هو رقمي، وأن البيتكوين تشكل جزءاً من هذا المسار، إلا أن ذلك لا يعني استمرار الأسعار في الارتفاع بصورة متواصلة، إذ إن عمليات جني الأرباح والبيع والتصحيحات السعرية تبقى جزءاً طبيعياً من حركة الأسواق قبل أن تستأنف انطلاقتها من جديد.

المخاطر المرتفعة والمكافآت المرتفعة
يصف حريري البيتكوين بأنها أصل مالي عالي المخاطر وعالي المكافأة في الوقت نفسه، مستشهداً بما شهدته العملة خلال أعوام 2015 و2016 و2021 من تراجعات وصلت إلى 70 و80 بالمئة قبل أن تعاود تسجيل ارتفاعات قوية.

ويؤكد أن طبيعة البيتكوين تقوم على التقلبات الحادة، ما يجعل العائد المحتمل مرتبطاً مباشرة بحجم المخاطر التي يتحملها المستثمر.

ومن وجهة نظره، فإن القدرة على تحمل هذه التقلبات والاحتفاظ بالاستثمار لفترات أطول تبقى عاملاً أساسياً في تحقيق الأرباح داخل هذا النوع من الأسواق.

لماذا باع سايلور جزءاً من البيتكوين؟
وبشأن الأسباب التي دفعت شركة ستراتيجي إلى بيع جزء من ممتلكاتها من البيتكوين رغم تمسكها التاريخي بالأصل الرقمي، يوضح حريري أن الدافع الرئيسي كان الحاجة إلى السيولة لتغطية التزامات مالية تشمل توزيعات الأرباح أو الديون المستحقة.

ويشير إلى أن بيع جزء من الأصول عند الحاجة إلى النقد لا يتناقض بالضرورة مع القناعة الاستثمارية طويلة الأجل، مشبهاً الأمر بمالك الذهب الذي قد يضطر إلى بيع جزء من مقتنياته لتأمين السيولة اللازمة لتغطية التزاماته.

ويؤكد أن الجزء الذي تم بيعه كان محدوداً، لكنه يعكس في الوقت نفسه واقعاً مالياً تفرضه الالتزامات التشغيلية والتمويلية.

التركيز على أصل واحد.. رهان ذو حدين
ويشير جاد حريري إلى أن الاعتماد في الاستثمار بشكل أساسي على البيتكوين من دون تنويع في الأصول المالية الأخرى مثل الذهب أو السندات الأمريكية أو الأسهم يعني تركيز الاستثمارات في أصل مالي واحد، وهو ما يجعل التعرض للمخاطر كبيراً في حال حدوث تراجعات حادة في سعر البيتكوين. ويعتبر أن هذا الوضع يجعل الشركة أمام خيارين متقابلين، إما تحقيق مكاسب كبيرة في حال ارتفاع البيتكوين إلى مستويات تاريخية جديدة، أو تكبد خسائر في حال تراجعه، مع ما قد يترتب على ذلك من ضغوط على القدرة على الالتزام بالديون والمستحقات المالية.

الأسهم الأميركية تقود موجة المخاطرة
فيما يتعلق بجانب الأسواق وشهية المخاطرة، يلفت حريري إلى أن المستثمرين يشهدون حالياً ارتفاعاً واضحاً في مستوى الإقبال على الأصول عالية المخاطر، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا. ويشير إلى أن مؤشر ناسداك يواصل تسجيل مكاسب لقرابة عشرة أسابيع متتالية من دون أي تصحيحات تُذكر، ما يعكس حالة زخم سعري ممتدة في السوق الأميركية.

كما يذكر أن إحدى الشركات العاملة في القطاع التكنولوجي، والمتمثلة في شركة MU، سجلت ارتفاعات حادة قاربت بين 200 و210 بالمئة خلال فترة لا تتجاوز شهرين، في مؤشر على حدة التحركات السعرية داخل هذا القطاع. وفي السياق نفسه، يؤكد أن مؤشري إس آند بي 500 وداو جونز يواصلان تسجيل ارتفاعات متتالية، بما يعكس استمرار الأداء الإيجابي للأسواق الأميركية ضمن موجة صعود واسعة تشمل مختلف المؤشرات الرئيسية.

الذهب والفضة في مرحلة لاحقة
يختتم حريري تحليله بالتأكيد على أن أي تصريح نحو هدنة أو وقف حرب يقابله تألق للذهب والفضة، وهي ظاهرة تاريخية شوهدت في 2008 و2022، وحالياً "في هذه الفيزيا التي نحن موجودين فيها". ويؤكد أن توجهه الشخصي لا يزال نحو ارتفاع الذهب والفضة إلى قمم تاريخية جديدة، مستنداً إلى الارتباط العكسي مع النفط في الأزمات الجيوسياسية، حيث تتراجع أسعار النفط بينما يرتفع الذهب والفضة.

أقرأ أيضاَ

شحنات منتجات نفطية تغادر مضيق هرمز وتحميل ناقلة غاز مسال بالإمارات

أقرأ أيضاَ

موانئ أبوظبي تسجل دخولها الرسمي الأول لأسواق أميركا الجنوبية